الشيخ محمد رشيد رضا
609
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
على الفطرة وبين بعثة نوح ومن بعده من الرسل إلى من فسدت فطرتهم واختفوا في الدين الفطري أو في الكتاب الإلهي من المشركين والضالين من أتباع نبي سابق فأعرضوا عما دعاهم اليه ، بأن تجعل هذه الهداية الأخيرة هي الرسالة الشرعية التي يسمى من جاءوا بها رسلا دون الأولى . وبهذا يجمع بين عدة أجوبة مما نقل عن العلماء في رفع التعارض بتوضيح قليل كقول من قال انما كانت رسالة آدم إلى بنيه المؤمنين ، ورسالة نوح ومن بعده إلى الكافرين ، من قال انما كانت رسالة آدم إلى بنيه من قبيل تربية الوالد لأولاده ، وفيهما أن تسميتها رسالة شرعية بالمعنى المراد من الآيات هو الذي يحقق التعارض فكيف يجعل دافعا له ؟ واما إذا أثبتنا ما ذكر لآدم ولم نسمه رسالة بالمعنى الشرعي المذكور فان التعارض يندفع بغير تكلف كما قلنا وتصح الأقوال كلها ، ويكون الخلاف أشبه باللفظي ، فهو رسول بالمعنى المشهور عند المتكلمين ، دون المعنى المتبادر من القرآن والحديث ثم ختم اللّه تعالى هذا السياق بقوله لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً أي قل أيها الرسول لمن بعثت إليهم أولا : ( لا أسألكم على هذا القرآن الذي أمرت أن أدعوكم اليه وأذكركم به أو على التبليغ ( وكلاهما مفهوم من السياق وان لم يذكرا ، والمختار الأول ) أجرا من مال ولا غيره من المنافع ، أي كما أن جميع من قبلي من الرسل لم يسألوا أقوامهم أجرا على التبليغ والهدى - وذلك مصرح به في قصصهم من سورة هود وسورة الشعراء وغيرهما ، وقد قيل إن هذا مما أمر أن يقتدي بهم فيه ، والتحقيق ان ما أمره اللّه تعالى به استقلالا لا يدخل فيما أمر بفعله اقتداء كما تقدم بيانه ، وقد تكرر هذا الامر له صلّى اللّه عليه وسلّم في عدة سور ؛ وهو على عمومه ، والاستثناء في قوله تعالى ( 42 : 21 قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) منقطع ومعناه على ما رواه أحمد والشيخان والترمذي وغيرهم عن ابن عباس : الا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة . ويوضحه قوله في رواية لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني عنه قال كان لرسول اللّه ( ص ) قرابة من جميع قريش فلما كذبوه وأبوا أن يبايعوه قال يا قوم إذا أبيتم أن تبايعوني فاحفظوا قرابتي فيكم ولا يكون غيركم من العرب أولى بحفظي ونصرتي منكم . وفي هذا المعنى روايات أخرى . والمعنى اني لا أسألكم على ما جئتكم « تفسير القرآن الحكيم » « 77 » « الجزء السابع »